عبد اللطيف البغدادي

58

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

ضعف مياه الأمطار التي تمر بها وتصبها في النيل . وهنا فضل مياه بلاده وهي الدجلة والفرات لأنها ترد من منابعها على علّاتها ولا تمر في برك بها عطن . ثم أكد بأن الاقتصاص يجيز التكهن بحجم الزيادة ، فإذا كدست الملاحظات تيسر العثور على دلائل أخرى ، ومن هذه الدلائل العلاقة بين الفترات بين النقصانات والزيادات من جهة ، وأحوال الكواكب واقتراناتها وطوالع مصر والسودان وملاحظة ما يتكرر منهما من جهة أخرى . ولكنه لم يجد عند منجمى مصر عناية كافية بهذه الناحية من علمهم ، اللهم إلا مشاهدات لا تنبنى على أصول ، مثل ربط حوادث أرضية تقترن بحركات علوية ومواضع فلكية ، مع أن بعض الدلائل مجرب « منها على سبيل المثال أن الشهب انتشرت وعمت الجو في مصر في سنة 290 ، وبلغ النيل ثلاثة عشر ذراعا » وهي نظرية بطليموس الجغرافي الخاطئة ، واضطرب الناس اضطرابا زالت به الدولة الطولونية من مصر ، وأن هذا تكرر في سنة 300 ؛ ولكن البغدادي أضاف أن هذه الدلائل ، وإن كانت قوية ، عمّت جميع الأقاليم ولم تخص مصر ، وقد شاهد مثلها في سنته من تناثر الكواكب في أولها ، ونشيش الماء في آخرها ، وتغير ملك مصر بعمه الملك العادل بعد حرب نشبت بينهما ، وهذه الأحداث هي موضوع الفصل التالي من الكتاب . الفصل الثاني في حوادث سنة سبع وتسعين وخمسمائة : يصف في هذا الفصل المصائب التي أصابت الديار المصرية في سنة 597 ه نتيجة لانخفاض مستوى النيل . ويمكن تقسيم الملاحظات إلى ثلاثة أبواب : باب يصف نقص بعض المواد الغذائية وخراب البلاد ، وباب يعرض لنقص السكان ، وباب يتناول مستويات النيل . وهنا يجب أن نعترف للبغدادي بقدرة خارقة على التعبير الوصفي ، وقد تكون حدة لسانه التي اشتهر بها هي التي برت قلمه عندما سرد هذه الحوادث في أبشع صورة ، ولضيق المجال سأكتفى بما استهل عبد اللطيف به روايته ، قال : « دخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة ، وقد يئس الناس من زيادة النيل ،